.:: الصبر على البلاء من الرباط ::.

===================================

تاريخ الخطبة / 2008-03-07
الخطبة الأولى :
الحمد لله وعد المؤمنين بتوفيقه ونصره، وتوعد الظالمين بمقته وقهره، جعل الأيام دولاً بعدله كما جعل العاقبة للمتقين بفضله فقال تعالى:{ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران:140).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أجزل ثواب المجاهدين والمرابطين في سبيله وأكرم الشهداء بالحياة عنده فقال بحقهم:{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (آل عمران:169-170).
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وقدوتنا وشفيعنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، حثنا على الصبر والرباط فقال r:"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة، خير من الدنيا وما عليها" (أخرجه البخاري)
فصلاة الله وسلامه على إمام المجاهدين وقدوة المرابطين وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين المرابطين فرسان الميادين ومصابيح الدجى للعالمين، والصلاة والسلام على الشهداء والجرحى والمكلومين والمرابطين من أبناء شعبنا وأمتنا والقائمين والراكعين في المسجد الأقصى المبارك والمتمسكين بحبل الله المتين من أبناء أمة سيدنا محمد أجمعين.
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته، وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } (فصلت:46).
أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس؛
ضمن سلسة الاعتداءات المستمرة على أبناء شعبنا الفلسطيني من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي جاء هذا العدوان الأخير الذي استهدف بشكل مركز قطاع غزة الصابر المرابط ، مما أوقع المئات من الشهداء والجرحى من أبناء شعبنا المرابط الذين تصدوا للعدوان بكل شجاعة واستبسال. والجديد في هذا العدوان الاسم الذي أطلقه عليه نائب وزير الجيش الإسرائيلي " المحرقة" التي توعد شعبنا بها قبل البدء بعملياته العسكرية التي استهدفت الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، فلا غرابة إذن وقد أطلق على هذا العدوان اسم المحرقة أن يكون عدد الشهداء من الأطفال مرتفعاً، فكل فلسطيني هو هدف لرصاص جيش الاحتلال وآلة بطشه العسكرية التي صبت نيرانها بلا رحمة ولا هوادة مستهدفة الإنسان والبناء والأرض وكل مقدرات ومقومات الحياة لأبناء شعبنا.
وهذا هو ديدن الاحتلال في جميع اعتداءاته على شعبنا وأرضنا ولا يحتاج إلى مبرر لمواصلة هذا العدوان الذي يستهدف دائماً كسر إرادة شعبنا في الصبر والصمود والثبات والرباط فوق ثرى هذه الأرض الطاهرة، التي شرفنا الله بالرباط فيها وسدانة مقدساتها وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك الذي ارتبط بعقيدة المسلمين وعبادتهم، فشد الرحال إليه عبادة، كما أن ثواب العبادة فيه مضاعف وأجر الرباط فيه وحوله كبير وقد ورد في الأثر عن الإمام علي - كرم الله وجهه – قال: " ليتني تبنة في لبنة في بيت المقدس" كما حرص سلفنا الصالح –رضوان الله عليهم – وهذا على امتداد تاريخ أمتكم على السكن والمجاورة بالقرب من المسجد الأقصى، فعرفت بوابات المسجد والحواري المجاورة له بأسماء أبناء ديار المسلمين القادمين إلى بيت المقدس للسكن والرباط والعبادة كحارة المغاربة التي هدمها الاحتلال الإسرائيلي في الأيام الأولى لاحتلال مدينة القدس عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين.
أيها المسلمون يا أبناء ديار الإسراء والمعراج..
إنه البلاء الذي يمحص الله به عباده ليعلم الصابرين منهم والمجاهدين ويبلو أخباركم، وصدق الله العظيم: {ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} ( محمد:31) وإذا كانت العزائم على قدر أهل العزم ؛ فإن ثواب الصبر على عظم البلاء،وصدق الله العظيم:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:155-157).
إنها سنة الله تعالى في ابتلاء المؤمنين في الحياة الدنيا ليفوزوا بثواب الصبر على البلاء الذي يقود إلى واسع رحمة الله في الآخرة ويحقق العزة والظفر لهم في الدنيا، وهكذا هي مسيرة أهل الحق إذ يعترضهم الباطل محاولاً ثني عزائمهم أو استئصال شأفتهم، وأنى له ذلك ما دام أهل الحق يعتصمون بعروة الله الوثقى ويستمدون العزيمة من إيمانهم بوعد الله المنجز لعبادة المرسلين وأتباعهم الصادقين الصابرين، فالله يقول: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (غافر:51).
ويقول تعالى:{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (الصافات:171-173). وهذه هي عاقبة الصبر والإيمان والتقوى.
فالنجاة بعد الابتلاء والفوز بعد الصبر على المحنة: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}( البقرة:214).
فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، ولن يغلب عسر يسرين، وما أصاب المؤمن من البلاء فهو كفارة لذنوبه، فالرسول r يقول :" ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه"(أخرجه البخاري)
وحسب المؤمن أن أمره كله له خير فهو بين مقام الصبر والشكر، فعن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله r :" عجبا لأمر المؤمن. إن أمره كله خير. وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له " (أخرجه مسلم).
أو كما قال :
فيا فوج المستغفرين استغفروا الله
وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة
 الخطبة الثانية :
الحمد الله الهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله أحب لعباده أن يعملوا لدينهم ودنياهم حتى يفوزوا بنعم الله وينالوا رضوانه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة، فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين،ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم واتبع سنتهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله؛ إن صورة التعاون والتكافل والتضامن التي جسدها أبناء شعبنا في الوطن وخارج الوطن أثناء العدوان على القطاع الصابر، لهي صورة بهية تدعو إلى الاعتزاز بهذا الشعب المعطاء، كما تظهر الروح المعنوية العالية التي يتمتع بها شعب ديار الإسراء والمعراج، فانطلقت المسيرات في مساحات فلسطين الأبية تندد بالعدوان، وتطالب المعتدي بوقفه، كما تطالب كل أمتنا الإسلامية أن تكون بجانب شعبنا وكل شعب يتعرض للعدوان من شعوب هذه الأمة. كما طلبت هذا المجتمع الدولي وكل المؤسسات والهيئات المعنية بالإنسان وحقوقه أن تقوم بواجبها تجاه حقوق شعبنا وأن تدرك هذه المؤسسات والهيئات أن هذا الشعب الصابر المرابط لن يفرط بحقوقه المشروعة بالعيش والحرية فوق هذا الثرى الطاهر في هذه الأرض التي باركها الله وجعلها أمانة في أعناق المسلمين جميعاً، وكان قدر شعبنا أن يكون حلقة في سلسة الرباط الممتدة منذ الفتح الإسلامي لهذه الديار إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
أيها المسلمون يا أبناء ديار الإسراء والمعراج:
إن واجب الرباط في هذه الأرض يدعو كل أبناء شعبنا وكل قواه الفاعلة على رص الصفوف والوحدة حفاظاً على هذا التماسك بين أبناء الشعب لتحقيق الأهداف والغايات التي يصبو إليها كل حر كريم من أبناء أمتنا.
ولا يغيبن عن بال أحد منكم أن القدس بقدسيتها ومقدساتها يجب أن تبقى الدافع والحافز والهدف أمام عيونكم وتنزل منزلة الهاجس الدائم في عقولكم وقلوبكم فقد حرص الصحابة الكرام على الوصول إليها لتنفيذ أمر الله بإسلاميتها وسلموها أمانة في أعناق الأجيال بعدهم.
فكونوا أهلاً لحمل هذه الأمانة في طليعة أمتكم الإسلامية إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ( الحج: 40)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200)
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس